أبي طالب المكي

26

قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد

مَعايِشَ قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ ) * [ الأعراف : 10 ] ، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم : أحلّ ما أكل العبد من كسب يده وكل بيع مبرور ، وقد كان الصانع بيده أحبّ إليهم من التاجر ، والتاجر أحبّ إليهم من البطال . وقال ابن مسعود : إني لأكره أن يكون الرجل بطالا ليس في عمل دنيا ، ولا في عمل آخرة ، ولأن التوكل من شرط الإيمان ووصف الإسلام . قال الله تعالى : * ( إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِالله فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ ) * [ يونس : 84 ] ، فاشترط في الإيمان به والإسلام له التوكَّل عليه ، فإن كان حال المتوكل التصرف فيما قد وجه فيه ودخل في الأسباب وهو ناظر إلى المسبّب في تصريفه ، معتمد عليه واثق به في حركته ، متسبب فيما يقلبه فيه مولاه ، متعيش فيما يسببه له ويوجهه فيه ، عالم بأن الله تعالى قد أودع الأشياء منافع خلقه وجعلها خزائن حكمته ومفاتح رزقه ، ويكون أيضا متبعا للسنة والأثر تاركا الترفه والتنعم ، فهو في تكسبه وتصرفه أفضل ممن دخلت عليه العلل في توكله فساكنها ، وقد ذكر لنا عن بعض العلماء أنه رؤي يطحن برجله ، وكان قد ترك العمل أربعين سنة فقيل له : دخلت في التكسب بعد أن كنت قد تركته ؟ فقال : يا هذا ، إذا عدمنا عزّ التوكل لم نصبر على ذل الاستشراف . فكذلك الأمر فيمن دخلت عليه الآفة في ترك التكسب ، فليخرج منها إلى الاحتراف . ومن دخل عليه اليقين فاقتطعه فليقعد عن الاكتساب ، فالتكسب خير من التشرف إلى الخلق واعتياد المسألة ، وسالك على طريق فهو يصل وإن كان في طريقه بعد . والتوكل لمن أقعد به ناظر إلى الوكيل أفضل لمن صح له لفراغ قلبه من الخلق وشغله بالخالق ، وهو طريق قريب فصاحبه مقرب . والتارك للتكسب طمعا في الخلق وترفّها للنفس وحبّا للمسألة واتباعا للهوى ، سالك على غير طريق لا قريب ولا بعيد هو عن المحجة جائر . كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم : لأن يأخذ أحدكم فأسه وحبله فيذهب إلى الجبل فيحتطب فيأكل ويتصدق ، خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه . وقال صلى الله عليه وسلم : استغنوا عن الناس ولو بشوص السواك يعني بمضغه . وقال : من يضمن لي خصلة واحدة ، أضمن له الجنة ، لا يسأل الناس شيئا . وقال بعض علمائنا : من أنكر التكسب فقد طعن في السنّة ، ومن أنكر القعود عن التكسب فقد طعن في التوحيد . وقال : بعث النبي صلى الله عليه وسلم إلى الخلق وهم أصناف كما هم اليوم ، منهم التاجر ، والصانع ، والقاعد ، ومن يسأل الناس ، ومن لم يسأل الناس ، فما قال للتاجر اترك تجارتك ولا قال للقاعد : اكتسب واصنع ، بل جاءهم بالإيمان واليقين في جميع أحوالهم وتركهم مع الله في التدبير ، فعمل كل واحد بعمله في حاله . وقد كان بعض المتوكلين يقول : من لم يصبر على جوع ثلاثة أيام أخاف أن لا يسعه ترك العمل إذا وجده . وقال أيضا : من فقد الأسباب